محمد بن علي الشوكاني
5160
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
يدفع جزءًا من ماله إلى غيره لينفقه في شيء من وجوه الخير ، فقد ادعى ما لا تدل عليه الآيات القرآنية التي استدل بها هذا على فرض أن هذه الآيات المشتملة على الإنفاق غير محمولة على ما هو واجب في المال بإيجاب الله - سبحانه - كالزكاة ونحوها . وأما إذا كانت محمولة على ذلك كما هو قول الجماهير فلا دلالة فيها على المطلوب من الأصل . واستدلوا أيضًا بقوله تعالى : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ( 1 ) وليس في هذه الآية شيء من الدلالة على المطلوب ، وهو إيجاب الإنفاق والجهاد ، وتحتمه ، ودفع ما ينفقه صاحب المال إلى السلطان ، بل فيها المفاضلة بين الطائفتين ، ولا شك في ذلك ، وليس المراد بهذه النفقة خصوص النفقة في الجهاد ، بل المراد الإنفاق العام في وجوه الخير ، ومن جملة ذلك الإنفاق على فقراء الصحابة كأهل الصفة الذين حكى الله عن المنافقين أنهم يقولون في شأنهم : { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ( 2 ) فهذا الوجه من جملة ما رغب الله فيه من النفقة . وقد أرشد الله سبحانه إلى الإنفاق سرًّا فقال : { وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية } ( 3 ) وورد أن صدقة السر أفضل من صدقة الجهر في أحاديث صحيحة فهي من أفضل أنواع الإنفاق [ 2 ب ] التي وردت الآيات القرآنية بالإرشاد إليها ، والحث عليها . ومن جملة أنواع الإنفاق الفاضلة الإنفاق على النفس والأهل والأقارب ، فإنه قد ثبت أن ذلك من أفضل أنواع الإنفاق ، وأنه مقدم على سائر الأنواع كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة . واستدلوا أيضًا بقوله تعالى :
--> ( 1 ) [ الحديد : 10 ] . ( 2 ) [ المنافقون : 7 ] . ( 3 ) [ الرعد : 22 ] .